ابن تيمية

48

المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية

موسى - يعني أنه يقضى له بالأجرة وإن كانت المنفعة محرمة ، ولكن لا يطيب له أكلها . قال : فإنها أقرب إلى مقصود أحمد رحمه الله وأقرب إلى القياس ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - « لعن عاصر الخمر ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه » فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعة تستحق عوضًا ، وهي ليست محرمة في نفسها وإنما حرمت بقصد المعتصر والمحتمل ، فهو كما لو باع عنبًا وعصيرًا لمن يتخذه خمرًا ، وفات العصير والخمر في يد المشتري فإن مال البائع لا يذهب مجانًا ؛ بل يقضي له بعوضه ، كذلك هنا المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانًا بل يعطى بدلها ، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر لا من جهة المؤجر ؛ فإنه لو حملها للإراقة أو لإخراجها إلى الصحراء ، خشية التأذي بها جاز . ثم نحن نحرم الأجرة عليه لحق الله سبحانه لا لحق المستأجر والمشتري ، بخلاف من استؤجر للزنا أو للتلوط أو القتل أو السرقة ؛ فإن نفس هذا العمل محرم لأجل قصد المستأجر ، فهو كما لو باع ميتة أو خمرًا فإنه لا يقضى له بثمنها ؛ لأن نفس هذه العين محرمة ، وكذلك يقضى له بعوض هذه المنفعة المحرمة . قال شيخنا : ومثل هذه الإجارة الجعالة - يعني الإجارة على حمل الخمر والميتة - لا توصف بالصحة مطلقًا ؛ بل يقال : هي صحيحة بالنسبة إلى المستأجر بمعنى أنه يجب عليه العوض . وفاسدة بالنسبة إلى الأجير بمعنى أنه يحرم عليه الانتفاع بالأجرة ، ولهذا في الشريعة نظائر . قال : ولا ينافي هذا نص أحمد رحمه الله على كراهة نظارة كرم النصراني فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن عوضه ثم نقضي له بكرائه . قال : ولو لم يفعل هذا لكان في هذا منفعة عظيمة للعصاة ، فإن كل من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصلوا غرضهم منه فإذا لم يعطوه شيئًا ووجب أن يرد عليهم ما أخذ منهم كان ذلك أعظم العون لهم ، وليسوا أهلاً بأن يعانوا على ذلك ، بخلاف من أسلم لهم عملاً لا قيمة